الجصاص

607

أحكام القرآن

الأحوال المذكورة لهن ، فيكون إحصاؤها لمعان ، أحدها : لما يريد من رجعة وإمساك أو تسريح وفراق . والثاني : مراعاة حالها في بقائها على الحال التي طلقت عليها من غير حدوث حال يوجب انتقال عدتها إليها . والثالث : لكي إذا بانت يشهد على فراقها ويتزوج من النساء غيرها ممن لم يكن يجوز له جمعها إليها ولئلا يخرجها من بيتها قبل انقضائها . وذكر بعض من صنف في أحكام القرآن أن أبا حنيفة وأصحابه يقولون : " إن طلاق السنة واحدة ، وأن من طلاق السنة أيضا إذا أراد أن يطلقها ثلاثا طلقها عند كل طهر تطليقة ، فذكروا أن الأول هو السنة والثاني أيضا سنة ، فكيف يكون شئ وخلافه سنة ! ولو جاز ذلك لجاز أن يكون حراما حلالا ، ولو قال : إن الثاني رخصة كان أشبه " . قال أبو بكر : وهذا كلام من لا تعلق له بمعرفة أصول العبادات وما يجوز وروده منها مما لا يجوز ، ولا يمنع أحد من أهل العلم جواز ورود العبادة بمثله ، إذ جائز أن يكون السنة في الطلاق أن يخير بين إيقاع الواحدة في طهر والاقتصار عليها وبين أن يطلق بعدها في الطهر الثاني والثالث ، وجميع ذلك مندوب إليه ، ويكون مع ذلك أحد الوجهين أحسن من الآخر كما قال تعالى : ( والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن ) [ النور : 60 ] ، ثم قال : ( وأن يستعففن خير لهن ) [ النور : 60 ] ، وخير الله الحانث في يمينه بين أحد أشياء ثلاثة وأيها فعل كان فرضه . وقوله : " ولو جاز ذلك لجاز أن يكون حلالا حراما " يوجب نفي التخيير في شئ من السنن والفروض كما امتنع أن يكون شئ واحد حراما حلالا ، وعوار هذا القول وفساده أظهر من أن يحتاج إلى الإطناب في الرد على قائله . وروي نحو قولنا بعينه عن ابن مسعود وجماعة من التابعين . وقوله تعالى : ( لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن ) فيه نهي للزوج عن اخراجها ونهي لها من الخروج ، وفيه دليل على وجوب السكنى لها ما دامت في العدة لأن بيوتهن التي نهى الله عن اخراجها منها هي البيوت التي كانت تسكنها قبل الطلاق ، فأمر بتبقيتها في بيتها ونسبها إليها بالسكنى كما قال : ( وقرن في بيوتكن ) [ الأحزاب : 33 ] ، وإنما البيوت كانت للنبي صلى الله عليه وسلم . ولهذه الآية قال أصحابنا : " لا يجوز له أن يسافر بها حتى يشهد على رجعتها " ومنعوها من السفر في العدة . قال أبو بكر : ولا خلاف نعلمه بين أهل العلم في أن على الزوج إسكانها ونفقتها في الطلاق الرجعي وأنه غير جائز له اخراجها من بيتها . وقوله تعالى : ( إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ) روي عن ابن عمر قال : " خروجها قبل انقضاء العدة فاحشة " ، وقال ابن عباس : " إلا أن تبذو على أهله فإذا فعلت ذلك حل لهم أن يخرجوها " . وقال الضحاك : " الفاحشة المبينة عصيان الزوج " . وقال الحسن وزيد بن